انتهاء الحرب في سوريا، أصبح مرتبطاً ببداية السلام الشامل الإسرائيلي – السوري؟ يبدو بعد قمّة هلسنكي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، أن مسار الحل الشامل قد أصبح متفقاً عليه، وأن «أحجار المساحة» بدأ تركيزها. خلال القمّة كما تبيّن الآن أن مناقشة الملفين الشائكين كانت «صفراً». كيفية تثبيت أمن إسرائيل كان أولاً بالنسبة لهما خصوصاً أنهما متفقان على الأساس ولم تبقَ سوى التفاصيل.

البداية، في «ضرورة عودة الهدوء إلى مناطق الجولان». المطلوب أولاً إتمام «القضاء على الإرهابيين جنوب سوريا». مثل هذا الشرط يسحب البساط من تحت أقدام إيران وكافة قواتها الرديفة ابتداء بـ«حزب الله». المسافة لا تعود مشكلة، لأنه بعد الخطوة الأولى الملحّة، يفتح المسار بخطوات أكبر وأكثر ثقة نحو ما يقوله بوتين حرفياً «وضع ترتيبات لضمان السلام الشامل» الذي يقرّره القرار 338 الصادر عن مجلس الأمن في 22/11/1973 أي مع الطلقات الأخيرة لحرب أكتوبر. بهذا تكون هذه الحرب التي أُريد لها أن تكون مجيدة آخر الحروب مع إسرائيل وبداية لسلسلة من الحروب الأخرى المُدمّرة للأرض وللإرادات على مساحة منطقة الشرق الأوسط.

التقاطع الروسي – الأميركي الكامل والعميق حول أمن إسرائيل بعد أن كان مهمّة أميركية فقط، يفرض خريطة جديدة في المنطقة. السؤال الكبير والواقعي جداً بعد القمّة: هل سيتم تحويل خط الجولان الذي رسمته حرب 1973 إلى «حدود أمر واقع؟».

عودة القوات السورية إلى هذا الخط يعني حُكماً: «تحديد عددها وطبيعة تسليحها»، بالتالي عودة السكون الكامل الذي يفتح هذه المرّة المسار نحو «ترتيبات لضمان السلام الشامل» كما قال بوتين بوضوح ومن دون تردّد. مثل هذه الترتيبات تتطلّب ترتيبات مكمّلة وداعمة لها في دمشق، لهذا تُصرّ إسرائيل على بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة من دون منازع حتى العام 2021. أما التمديد فيتم دعمه بالتمديد حتى ولو بإجراء انتخابات لا يحصل فيها على 99 بالمئة، لكن على الأقل ما يمنحه الشرعية بترتيبات دولية وحتى إقليمية. الرئيس الأسد كما يتوضّح هو دعامة كاملة لأي حل موقت أو شامل. لقد ورث بشار عن والده الرئيس حافظ الأسد السلطة وسكون الجولان، وحافظ عليهما الأولى بالحرب والثانية بقواته عندما كان وحده. لم يعرِّض كما قال بنيامين نتنياهو «الاتفاق لأي خطر» حتى بعد ضمّ الجولان إلى إسرائيل.

أصبح بقاء بشار الأسد «حاجة» لقيام سلام شامل تحت رعاية روسية – أميركية، فماذا عن إيران؟

قبل أكثر من عام تحدّث المرشد آية الله علي خامنئي وبعده أبرز مساعديه إلى جانب قادة كبار من «الحرس الثوري»، عن «أن فلسطين ستُحرّر بعد 25 سنة». لم يعد تحرير فلسطين أمراً ولا مهمّة ملحّة رغم كل «التصريحات العنترية» بتدمير تل أبيب بسبع دقائق. باختصار إيران تبدو مستعدة بحُكم الواقع لتقبُّل علاقات أكثر سلمية بين سوريا وإسرائيل توفّر للأسد البقاء في السلطة إلى الأبد.

إيران في العقد الأخير ساهمت شاءت أو أبت، في الدفع نحو صناعة «النكبة الكبرى». دعم الأسد في سوريا، وتشتيت العراق واستنزاف ثرواته (نقل الكثير منها عبر رجالها مثل نوري المالكي الذي كان يبيع في سوريا المسابح والأدعية فأصبحت ثروته تقدّر بأكثر من أربعين مليار دولار) واستدعاء الروس وسلاحهم الجوّي إلى سوريا أوصل إلى هذا الوضع الذي يعني فرض السلام الشامل مع إسرائيل.

إيران مهما فعلت ستضطر عاجلاً أم آجلاً إلى الانسحاب الجزئي أولاً من سوريا. لن يبقى لها سوى جزء من أموال إعادة الإعمار والوجود داخل البؤر الشيعية السورية التي لا شك سيتم توسيعها وتضخيم أعداد سكانها. السؤال المكمّل لذلك ماذا سيفعل «حزب الله»؟

إيران لن تتأثر سوى خطابياً بالحل السلمي الشامل. سيضطر قادتها إلى التخفيف من حدّة الكلام عن اقتلاع «السرطان الإسرائيلي». أما «حزب الله» فإنه سيضطر للعودة إلى الداخل اللبناني ليعمل على الإمساك أكثر فأكثر بركائز السلطة والإدارة. لكنه أيضاً سيواجه لاحقاً مأزق تمدّد الحل الشامل من سوريا إلى لبنان. فماذا لو قدّمت روسيا والولايات المتحدة الأميركية الضمانات الأمنية والسياسية لأمن واستقرار لبنان؟ وبطبيعة الحال فإن التجربة الملحّة والسريعة ستكون حول حقول النفط والغاز؟

الرئيس فلاديمير بوتين، يعمل منذ حطّت «السوخوي» الأولى في مطار «حميميم» الذي كان سورياً وأصبح روسياً، لحضور دائم واستراتيجي. القاعدة الأولى لمثل هذا الوجود الذي يجب أن يكون مريحاً اقتلاع كل حقول «الصبّير» المزروعة في المنطقة. لا يكفي ذلك القضاء على «داعش» و«النصرة». فرض السلام الشامل على المنطقة خصوصاً بين سوريا وإسرائيل وكل ما سيستتبع ذلك يتطلب نزع عوامل النزاع ووسائلها. ومتى بدأ تنفيذ هذه السياسة فإن إيران لن تقاوم خصوصاً إذا جرت مراعاة ما يشكّل جزءاً من «حقوق» وجودها في المنطقة. أما إذا رفضت وتمنّعت فإن محاصرتها تصبح سياسة أميركية منفّذة بدعم أوروبي وصمت روسي – صيني وتصفيق عربي، حتى تقبل بما مقرّر لها. أو يتم إغراقها في حروب داخلية عرقية وقومية، بدأ التحضير لها، عبر توحيد قوى كردية من الحزب الديموقراطي الكردي الذي اغتيل زعيمه الدكتور قاسملو في فيينا، ومجموعات من سيستان – بلوشستان، وعربية من الأهواز للنشاط المسلّح منذ الآن.