ليس بالضرورة أن تكون المباراة ممتعة إلا إذا جرت في المونديال في روسيا. توجد مباريات ذات أهمية وخصوصية مهمة جداً وأحياناً ممتعة، خصوصاً أنّ نتائجها تتجاوز الحصول على كأس المونديال لتكون استراتيجية تحصد كأس القرار في هذه المنطقة أو تلك. من ذلك أنّ القيصر فلاديمير بوتين يلعب الشطرنج على رقعة موسكو والمونديال… ها هو رغم مقاطعة أوروبا لبلاده يُلحق بها هدفاً مهماً يستحق الصرخة الشهيرة «غول». أربعون رئيساً ومسؤولاً رفيعاً توافدوا إلى روسيا للمشاركة بالمونديال والسلام على «قيصر» الكرملين. «الغول» الثاني الكبير مطالبة الرئيس دونالد ترامب الدول الست التي حضرت وشاركت وبعضها اختلف معه علناً بعودة روسيا إلى عضوية مجموعة الثمانية.

في هذه الأثناء، يتابع دونالد ترامب «الشرب» من كأس بطولته في سنغافورة. ما حققه من نجاح بدعم صيني وروسي من خارج الملعب يُعادل حصوله وحده على كأس «المونديال»، فهو لعب وحيداً وخلط ببراعة بين التكتيك والاستراتيجية حتى إذا جاءت لحظة الحقيقة كان جاهزاً فاستقبل خصمه زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بالأحضان، وكأن كل ما بينهما حفلة خصام مبرمجة، مع العلم أنّ أياً من الرؤساء الأميركيين منذ سبعة عقود لم يجرؤ على قول كلمة ولو حيادية بحق الجد والأب… كذلك فإن كيم ذهب بعيداً فقفز من مربعه النووي وانضم إلى المباراة بروح إيجابية شاملة.

رغم البيان الكثير الإيجابية لا يمكن القول انتهى كل شيء. النتيجة كما يُقال بالمثل الشعبي: «ما تقول فول حتى يصير بالمكيول». إذاً، يجب انتظار التنفيذ بصبر ومتابعة. إذا نفذ الطرفان ما تم الاتفاق عليه الذي هو بالتأكيد أهم بكثير مما أعلن، فإن الاتفاق يصبح نقلة استراتيجية توازي التأسيس لنظام دولي جديد… منذ الآن بدأت التسريبات وأبرزها أن كوريا الشمالية التي تعاونت سراً مع سوريا منذ الأسد الأب وإيران ــ خامنئي في قطاع الصواريخ الباليستية مما مكن إيران من تحسين سلاحها إلى حد متقدم جداً، عليها كشف أسرار التعاون وبالتالي وقفه في ما بعد… في جميع الأحوال يكفي كشف أسرار التقدم الذي تحقق لإيران حتى تسقط نصف فاعليته وخصوصاً وقف مسيرة تقدمه…

بعد كوريا الشمالية جاء الدور على إيران… الرئيس دونالد ترامب يرغب ويأمل ويعمل لتسجيل «الغول» الثاني له ضد آية الله علي خامنئي. هذه «اللعبة» مهما بدا ترامب بارعاً فيها ويملك أوراقاً كثيرة إلا أنه يعلم بعمق أن إيران ليست كوريا الشمالية من جميع النواحي… إيران ليست معزولة كلياً، ولا هي رغم وجود أزمة اقتصادية عميقة دولة جائعة بحاجة للرز طعاماً ملحّاً لشعبها، وهي دولة غنية بسبب النفط، وهي حتى ولو حوصرت بقوة قادرة على الإفلات وتصدير بعض حاجاتها الملحّة وأكثر من ذلك تملك مائة مليار دولار في احتياطها، ولديها العديد من مصادر الإنتاج الزراعي الذي يلبي احتياجاتها اليومية في الكثير من المجالات… أيضاً وهو مهم جداً بدل أن تكون مُحاصرة ومعزولة تنتظر الإعاشة من الصين وروسيا والضمانات للتحرك خارجياً، فإن إيران تُهاجم وتتمدد خارج حدودها وهي موجودة (للأسف) في أربع عواصم عربية ويمكنها إدارة اللعبة السياسية فيها وكأنها في «حديقتها الخارجية»، ولم يكن للتسلية تصريح الجنرال قاسم سليماني وإنما لتوجيه رسالة تحذيرية إلى واشنطن والدول الأوروبية المعنية مثل فرنسا أن القرار الحاسم في الانتخابات الرئاسية وليس فقط الحكومة وعملها يعود إلى طهران…

الرئيس حسن روحاني وصف الرئيس دونالد ترامب بأنه: «الأسوأ والأكثر خبثاً من كل الرؤساء الذين سبقوه ومخططاته الأكثر مقتاً من كل أسلافه». ما يعني أنه الأخطر على مستقبل إيران… لذا كيف ستواجهه، وهل يكفي أن تصعّد من اليمن إلى بغداد وصولاً إلى لبنان، أم أن تنقلب على نفسها وتدخل في حوار إيجابي مع محيطها أولاً وصولاً إلى واشنطن؟