يصرّ الممانعون والمقاومون على الورق، على أن إيران ستنتصر وستُسقط كل مفاعيل المقاطعة والحصار الأميركي، كما فعلت من قبل طوال أكثر من ثلاثة عقود. يعرف هؤلاء ولكنهم يغمضون أعينهم بسبب طموحاتهم، ولا يفتحونها على الواقع، وهو أن إيران عانت كثيراً من الحصار والمقاطعة، وأن الشعب الإيراني رغم كل تضحياته وتقدمه العلمي، خسر كثيراً وعانى ويعاني في خبزه اليومي، هذا من دون الحديث عن خساراته العميقة في العيش برغد أكبر والحصول على وظائف عمل تقي نصفه من الانهيار إلى ما تحت خط الفقر.

لا شك أن العقوبات التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على إيران، أقسى بكثير مما سبقتها. لذلك فإن مواجهتها ستكون أصعب بكثير مما جرى طوال الثلاثة عقود الماضية.

المواجهة السابقة، نجحت على حساب الشعب الإيراني أساساً. كلفتها كانت ضخمة لأنها عمّقت البطالة والفساد، ما حوّل المجتمع الإيراني إلى مستنقع من الفضائح والمآسي. كانت كل عملية تحويل تتطلب الالتفاف على العقوبات عبر مراكز مالية متعددة تكلّف كل واحدة منها أكثر من سبعة بالمئة بحيث عندما يصل التمويل تكون إيران قد خسرت حوالى الربع إلى الثلث من قيمة العقد. هذه المرة إذا نُفّذت العقوبات حسب نصّها فإن إيران لن تستطيع الالتفاف على المقاطعة وتحويل المال الضروري للعقود أو الحصول على أموالها. الإيرانيون يتذكّرون بابيك زنجاني الذي أُعدِم بسرعة رغم معارضة الرئيس حسن روحاني بعد أن تبين (وهو ليس أكثر من سائق سيارة أحد قادة الحرس) أن ثروته تتجاوز 11 مليار دولار.. إعدامه بسرعة حرم القضاء والشعب الإيراني معرفة مَن هم شركاؤه من القيادات الإيرانية.

مشكلة إيران مع واشنطن أكثر مما هي مع أوروبا، هي في جنوحها التوسعي في منطقة الشرق الأوسط خارج المظلة الأميركية. الرئيس باراك أوباما كان يريد عندما وقع الاتفاق النووي أن تلعب إيران دوراً إقليمياً إيجابياً، فكان أن تمددت من سوريا إلى اليمن، وأكدت في استخدامها السلاح الصاروخي بيد الحوثيين في اليمن لضرب المملكة العربية السعودية كم تُشكّل طموحاتها من أخطار على المنطقة.

السؤال الكبير: هل يمكن لإيران الفصل بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا من جهة، وأن تستند من جهة أخرى على روسيا والصين في مواجهة أميركا؟

رغم كل الطموحات الأوروبية بالاستقلال وعدم الالتحاق بأميركا، فإنها عملياً لا تستطيع ولا يمكنها ذلك. الفارق ضخم وكبير جداً بين ميزان مبادلاتها مع كل من أميركا وإيران، إذ تتجاوز مع الأولى الـ750 مليار دولار بينما هي أقل من 45 مليار دولار مع الثانية، الأخطر من ذلك أن واشنطن قادرة على فرض عقوبات على المصارف والشركات التي تقفز فوق العقوبات حتى ولو تدخلت الدول الأوروبية. العالم يتذكر أزمة المصرف الفرنسي B.N.B فقد اضطر أن يدفع جزاء إلتفافه على العقوبات بين عامي 2002 و2009 والتعامل مع إيران وكوبا والسودان مبلغ 8,9 مليارات دولار أي ما يساوي إجمالي دخله السنوي. علماً أن الرئيس الفرنسي حينها فرنسوا هولاند تدخل شخصياً لدى واشنطن لتخفيف الجزاء ولم ينجح. فمَنْ هو المصرف الذي يتجرّأ اليوم على القفز والتلاعب على العقوبات اليوم.

شركة «توتال» النفطية الضخمة تستعد لتحمّل خسائر كبيرة بعد انسحابها من عقد حقل «بارس» الضخم جداً. مهما كان السوق الإيراني مغرياً. “توتال” التي كانت قد اشترت محفظة من أصول الغاز المسال من شركة «ايجي» وحصة الشركة من مشروع «كاميرون» فضلت الانسحاب.

خسرت طهران مشروعها في استثمار مبلغ 200 مليار دولار لتحديث الحقل، مما يحجب عنها استثمارات ضخمة ومداخيل مستقبلية أضخم.

أوروبا لا يمكنها ولا هي مستعدة للدخول في مواجهة مع أميركا، روسيا والصين، لا تريدان وحتى لا يمكنهما مواجهة العقوبات الأميركية رغم حاجتهما للعلاقات وللعقود والنفط والغاز الإيراني، خصوصاً بالنسبة للصين. موسكو ما زالت ضعيفة اقتصادياً بالنسبة لأميركا، ولديها «صندوق» من الهموم الاقتصادية لا يمكنها القفز فوقه لا من أجل إيران ولا غيرها.

أما الصين وهي أقوى اقتصادياً، فإنها ليست عملاقاً اقتصادياً منتجاً، وهي دولة تجميع، حتى الآن أميركا ترسل لها القطع التكنولوجية وهي تجمعها. ما زالت أمامها فترة زمنية مهمة حتى تخلق وتصنع وتصّدر. أيضاً لا يمكن للصين المخاطرة في إضعاف الاقتصاد الأميركي لأن العجز التجاري للعام 2015 فقط بلغ لمصلحتها 366,5 مليار دولار، فماذا تستطيع إيران أن تقدم لها بديلاً عن السوق الأميركي؟

الأزمة الإيرانية عميقة جداً. عندما يصل الأمر بالمرشد بعد ثلاثة عقود من السلطة المطلقة إلى أن يسمح للفتاة سحر مهرابي وأمام جمع كبير بمخاطبته مباشرة ومكاشفته بواقع الحال بهذه الحدّة، يعني أن المرشد أراد أن يسمع الجميع خصوصاً قادة «الحرس الثوري» واقع الحال، من مواطنة لأنه إما عاجز عن المواجهة أو غير قادر على الحل أو الإثنين معاً. قالت «سحر»:

* يوجد تفاوت منهجي مكثف لدى الطبقات الاجتماعية.

* تدهور في الثقة العامة.

* ارتفاع في معدلات البطالة.

* تحديات تواجه الأقليات.

* فبركة ملفات أمنية من متشددين في القضاء والأمن لاستهداف ناشطين.

* أين التحقيق (الكلام موجّه لخامنئي) في أداء مؤسسات تخضع لإشرافك مثل «الحرس» والقضاء والتلفزيزن ومؤسسات مالية.

«تسونامي» العقوبات يرتفع ضد إيران. الهدف منه أن تنسحب إيران من تمدّدها الجغرافي واستخدام ميليشيات شيعية مستقدمة من باكستان وأفغانستان والعراق. قراءة موضوعية تؤكد وجود تحولات في الموقف الدولي. أوروبا ضد إلغاء الاتفاق النووي ولكنها ليست ضد وقف إيران لتدخلاتها في منطقة الشرق الأوسط.

إيران دولة قوية لا أحد قادر على إلغائها ولا يريد أحد إلغاءها. المهم أن تقتنع أنه لا يمكنها إلغاء الآخرين وابتلاعهم، فهم أيضاً مرزوعون جغرافياً وبشرياً وسياسياً في المنطقة «ومَن ساواك بنفسه ما ظلمَكْ»!