بعد 12 أيار سيكون مختلفاً عمّا قبله حكماً.

لن تقع حرب بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران، ولكن من المؤكد أنّ شيئاً ما سيحصل، وسيكون أقل من حرب وأكثر من مواجهة. واشنطن تريد إلغاء الاتفاق النووي، وطهران تهدّد بدورها بإلغائه إذا ما شُطب منه بند واحد فكيف بالاتفاق؟

التصعيد بدأ يتجاوز الإلغاء، إلى المواجهة المسلّحة. قائد البحرية الإيرانية الأميرال فدوى تواضَعَ جداً في تصريحه فقال «إن الأسطول الأميركي في الخليج خاضع لأوامر إيران»، وليؤكّد هذا الخضوع عاد مُذكّراً وتكراراً، بعملية أسر الزورق الأميركي واستسلام جنوده. ترامب الذي كما يبدو لم يعد يتحمّل هكذا تهديدات ذهب أبعد من الأميرال الإيراني فهدّد بإزالة الزوارق الإيرانية إذا اقتربت من «سفنه» وليس إذا تعرّضت لها.

يبقى السؤال قائماً: كيف سيتم التعامل مع الاتفاق النووي مع إيران، خصوصاً أن روسيا والصين تعارضان المسّ به، وأوروبا تريده لكن مع بعض التعديلات التي تُنتج موقفاً جديداً في تعامل إيران مع قضايا منطقة الشرق الأوسط.

مشكلة الموقف الأوروبي أنّه نتاج «تعلّقها باستمراريّة مصالحها وعقودها مع إيران». لذلك تنقصه المصداقية عند ترامب.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاول خلال «زيارة الدولة». لكن يبدو أنه لم ينجح كثيراً رغم أن تصريحاته أشّرت إلى نجاحه. ترامب كذّب تفاؤل ماكرون إلى درجة أنه اتهمه «بتحريف» وجهة نظره. انجيلا ميركل المستشارة الألمانية ستلتقي ترامب لدعم موقف ماكرون وإظهار وحدة الموقف الأوروبي. مختصر الموقف الموحَّد لماكرون وميركل «أنّه لا يمكن تمزيق الاتفاق وإنما بناء اتفاق أوسع من أجل استقرار المنطقة». لذلك يجب ضم ملحق للاتفاق يؤكد على:

* إبقاء حظر تخصيب اليورانيوم حتى العام 2025.

* موافقة إيران على إنهاء نشاطاتها الباليستية وخلق ظروف حل سياسي يحتوي إيران في المنطقة أي في اليمن وسوريا والعراق ولبنان.

باختصار شديد إعادة إيران إلى الداخل وإنهاء التمدّد الإيراني في منطقة الشرق الأوسط. وقمة «الجزر» عمادها إنهاء «الإمبراطورية الخامنئية» التي صرف على جزء منها في سوريا حسب تقديرات الخبراء حوالى 15 مليار دولار العام الماضي فقط، أما العراق فيبدو أن الصرف عليه هو من الثروات العراقية التي نهبَها مسؤولون عراقيون ليرتقوا إلى السلطة بدعم إيراني وأبرزهم نوري المالكي.

هذا التوجه، يفتح صفحة جديدة مع إيران تتجاوز الاتفاق النووي إلى الطموحات الإيرانية في تنفيذ شعار «تصدير الثورة»، علماً أنه لم يبقَ من الثورة إلا اسمها بعد أن استُهلكت في الصراعات الداخلية وتمدّد «الحرس الثوري» في السلطة. من بين مقترحات الخبراء الماليين، ربط الضغط على البنك المركزي الإيراني، بوقف إرسال الأموال إلى سوريا وغيرها، وليس فقط بالاتفاق النووي وتنفيذه. لأنّ في هذا التوجّه بدايةً حقيقية وفعلية، لإيقاف «شلاّل الدم» في سوريا، وبالتالي «تناسل الحروب فيها».

الردّ الإيراني جاء سريعاً وعنيفاً. الرئيس حسن روحاني الذي وضع أمام خيارين كل واحد منهما يشكّل مقتلاً.. إما التشدد ورفض كل الخطط الدولية، وبالتالي انهيار اعتداله وانخراطه في تبني سياسة التوسع الخامنئي من دون اعتراض. أو الاعتدال الذي يرسم عملية إنهائه داخلياً وهذه المرَّة على يد «الحرس الثوري» مباشرة.

الرئيس روحاني قال «الاتفاق هو الاتفاق». المرشد خامنئي «ورجاله» أكدوا عالياً: «أنّ المنطقة منطقتنا»، وبالتالي لا أحد يفرض على إيران الانسحاب منها. علي ولايتي مستشار المرشد وسّع هذا الموقف فقال «إن هذا الموقف أمر مشروع». المشكلة أنّه غير مطلوب ضرب إيران ولا محاصرتها، ولكن على الأقل أن تخفّف من تدخلاتها، لأنه حتى الأعمى يعرف أنها دفعت الحوثيين إلى الحرب وشجّعتهم على الصمود بعد أن مدّتهم بالصواريخ والشعارات مثل «الموت لأميركا» التي تستفز دونالد ترامب بعد أن كانت عادية من الرئيس باراك أوباما.

موقف إيران مهم. لكن الأهم موقف موسكو. ما لم تقتنع موسكو بأنّه حان الوقت لمقايضة وجودها بما ينتج حلاً سياسياً في سوريا، لن يحصل شيء وستستمر الحرب، لأنها أصبحت جزءاً من «حرب باردة» تتنافس فيها روسيا وأميركا ودول إقليمية أبرزها: إيران وتركيا وإسرائيل على الموقع والنفوذ.

موسكو قادرة على التراجع خطوة للتقدّم خطوَتين وربما أكثر. وهي بدأت بإرسال إشارات بأنها تبحث في حل سياسي.. من ذلك أن الرئيس فلاديمير بوتين استبدل سفيره ألكسندر كيتشاك في سوريا منذ 2014، بسفير جديد هو ألكسندر بقيموف.

أهمية الاستبدال أن الأول «سفير حرب» كما يُقال وقد سبق له أن عمِلَ في العراق ونال وساماً رفيعاً من «القيصر» نفسه، أما السفير الجديد فهو سفير العقود الاقتصادية الذي يوصف بأنه «سفير سلام».

في 12 أيار سيصدر القرار «الترامبي». من الضروري والطبيعي أن لا يؤدّي التشدّد إلى تصعيد لأنَّ ثمنه سيكون في سوريا ومن أرواح السوريين. وأن يكون الناتج ما قاله ماكرون: «يجب بناء اتفاق أوسع حول إيران من أجل استقرار المنطقة».

أخيراً عادت كلمة «استقرار» إلى المنطقة. يبقى ترجمتها عاجلاً وليس آجلاً.